الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
171
نفحات القرآن
المجموعتان محصورتين في إطار الحسّ ، في حين تكون العوالم الخارجة عن الحسّ أوسع بكثير من عالم الحسّ . طلبوا ذلك من موسى ! ! تتحدّث الآية الثانية أوّلًا عن حجج اليهود وتقول : « يَسْئَلُكَ اهلُ الكِتَابِ ان تُنَزِّلَ عَلَيهِم كِتاباً مِّنَ السَّمَاءِ » . قال جماعة في تفسيرها أنّ مرادهم كان بأن ينزل عليهم كتاباً مخطوطاً على قراطيس معلومة من السماء ليشاهدوه بعيونهم ويلمسوه بأيديهم « 1 » . وقالت جماعة أخرى : إنّ مرادهم هو لماذا لم ينزل جميع القرآن مرّة واحدة على النبي صلى الله عليه وآله ؟ ! والقرآن يجيبهم : لا عجب من هذا الطلب الخاوي لهؤلاء المعاندين اللجوجين بعد مشاهدة المعجزات والقرائن التي تصدّق دعوة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله : « فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى اكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهرَةً » ! وبسبب هذا الطلب الخاطئ : « فَأَخَذَتهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلمِهِم » . أجل ، إنّهم ظلموا أنفسهم وراحوا يتعلّلون ، وحبسوا عقولهم في إطار الحسّ ولم يسمحوا لها بالتجرّد من هذا النطاق الضيّق إلى أفق عالم ما وراء الطبيعة ، ولهذا أنزلت عليهم صاعقة من السماء وأهلكتهم غير أنّ اللطف الإلهي ودعاء موسى عليه السلام قد أدركهم أخيراً وواصلوا حياتهم مرّة أخرى ، والعجيب أنّ هذا الحدث العجيب لم يوقظهم ، حيث مالوا إلى السامري في اقتراحه بعبادة العجل ! ونقرأ في الآية : « ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجلَ مِن بَعدِ مَا جَاءَتهمُ البَيِّناتُ » ، وكأنّهم لم يُؤمنوا إلّابالإله المحسوس ، ولم تقوَ أرواحهم على العروج إلى عالم ما وراء الطبيعة . ومرّة أخرى شملهم اللطف الإلهي حيث تقول الآية في ذيلها : « فَعَفَونَا عَن ذَلِكَ وآتَينَا مُوسَى سُلطَاناً مُّبِيناً » .
--> ( 1 ) وقد وافق على هذا صاحب التفسير في ظلال القرآن ، ج 2 ، ص 583 وقد نقله الفخر الرازي ويبدو تفسيراً مناسباً وإن لم يتعارض مع التفسير الثاني .